محمد بن محمد ابو شهبة

275

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

2 - إن مريض الصرع يصاب بالام حادة في كافة أعضاء جسمه ، يحس بها إذا ما انتهت نوبة الصرع ويظل حزينا كاسف البال بسببها ، وكثيرا ما يحاول مرضى الصرع الانتحار من قسوة ما يعانون من الام في النوبات ، فلو كان ما يعتري النبي عند الوحي صرعا لأسف لذلك وحزن لوقوعه ، ولسعد بانقطاع هذه الحالة عنه ، ولكن الأمر كان على خلاف ذلك . لقد انقطع الوحي عن الرسول مدة فحزن لذلك حزنا شديدا ، وكان يذهب إلى غار حراء وقمم الجبال عسى أن يعثر على الملك الذي جاءه بحراء ، وبقي محزون النفس من هذه الحالة ، حتى سرّى عنه ربه بوصل ما انفصم من الوحي ، وعادت المياه إلى مجاريها . 3 - إن الوحي لم يكن يأتي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على هذه الحالة التي قالوا عنها إنها صرع إلا أحيانا ، وأحيانا كان يأتيه وهو في حالته الطبيعية ، فلا غيبوبة ، ولا عرق ، ولا غطيط ، وذلك حينما كان يأتيه جبريل في صورة رجل ، وذلك كما حدث في حديث جبريل المشهور . ويدل على هاتين الحالتين الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها - أن الحارث بن هشام سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يا رسول اللّه كيف يأتيك الوحي ؟ » ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده علي ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول » « 1 » قالت عائشة : « ولقد رأيته حين ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصّد « 2 » عرقا » « 3 » . 4 - إن الثابت علميا أن المصروع أثناء الصرع يتعطل تفكيره وإدراكه تعطلا تاما ، فلا يدري المريض في نوبته شيئا عما يدور حوله ، ولا ما يجيش في

--> ( 1 ) ذكر النبي في هذا الحالتين اللتين كان يكثر مجيء الوحي عليهما ، وفي بعض الأحيان كان يسمع عندما يأتيه الوحي دويّ كدويّ النحل . ( 2 ) يسيل . ( 3 ) صحيح البخاري - باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .